الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

76

نفحات الولاية

ليوم الفاقة وقد خلوا بكل كيانهم للخالق حين كرّس الخلق أفكارهم في المخلوقات « قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمموه « 1 » عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم » « ذا العرش » إحدى صفات اللَّه التي تدل على ذروة عظمة ذاته سبحانه ، وذلك لأنّ العرش أسمى موجودات عالم الخلقة . وقد اقتبست هذه الصفة من الآية الشريفة : « ذُوالعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » « 2 » . نعم فلم يتعلق قلب هؤلاء سوى باللَّه ولا يرون من مصدر غيره للخير والفضيلة والبركة والنجاة في هذا العالم ، ولا ينال المؤمن هدفه ما لم يسلك هذا السبيل لمعرفة اللَّه ، أمّا العبارة : « ذخيرة ليوم فاقتهم » فتفيد وقوف الملائكة يوم القيامة للحساب وانتظار هم للآجر والثواب . ثم قال عليه السلام : « لا يقطعون أمد غاية عبادته ولا يرجع بهم الاستهتار « 3 » بلزوم طاعته إلّاإلى مواد « 4 » من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته » ، نعم فدوافع هؤلاء في الطاعة والعبودية إنّما يستقونها من مصدر خوف اللَّه ورجائه الذي يضاعف معرفتهم باللَّه وسلوك السبيل المؤدي إلى قربه . ولذلك أكد الإمام عليه السلام في العبارة اللاحقة في أنّ أسباب خوف اللَّه لم تنقطع عنهم ليهنوا في سعيهم وجدهم « لم تنقطع أسباب الشفقة منهم ، فينوا « 5 » في جدهم » ثم أردفها عليه السلام بالقول بأنّ الأطماع لم تأسرهم وتستحوذ عليهم ليقدموا سرعة سعيهم في أمور الدنيا على جدهم في أمور الآخرة : « ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك « 6 » السعي على اجتهادهم » أجل فالذي يضعف الإنسان في طريق عبوديته الحق هو السقوط في مخالب الأهواء والأطماع التي تعطل قواه وتصده عن طاعة ربّه . ثم قال عليه السلام : في صفة آخرى من صفات الملائكة « لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ،

--> ( 1 ) « يمموا » من مادة « يم » قصدوه بالرغبة والرجاء عندما انقطع الخلق سواهم إلى المخلوقين ، ومنه « التيمم » الذي يقصد فيه الإنسان ضرب يديه بالتراب ومسح ظاهرها وجبهته به . ( 2 ) سورة غافر / 15 . ( 3 ) « الاستهتار » مصدر بمعنى اللامبالاة والحرص على المخالفة ، واصله « الهتر » على وزن الستر بمعنىالحماقة والجهل . ( 4 ) « مواد » جمع « مادة » أصلها من « مد » البحر إذ زاد ، فالمواد تعني الزيادة . ( 5 ) « ينوا » من مادة « ونى » على وزن رمى بمعنى الضعف والفتور . ( 6 ) « وشيك » من مادة « وشك » بمعنى السرعة .